Article

مصرف لبنان: خطوة ناقصة في الطريق الصحيح؟

هل بات بإمكان الأشخاص المعوّقين عمومًا، والأشخاص المكفوفين خصوصًا، الإفادة من الخدمات المصرفية والمالية في البنوك باستقلالية؟ ذلك ما شغل الناشطين المعوّقين إثر صدور القرار الوسيط للبنك المركزي رقم 12519، في 19 نيسان/ أبريل 2017، بناء على جلسة عقدها المصرف قبل أسبوع من صدور القرار موقّعا من قبل حاكمه الأستاذ رياض توفيق سلامة.

فقد منح مصرف لبنان المصارف العاملة على الأراضي اللبنانية مهلة سنة، بموجب القرار الأخير، تنتهي بتاريخ الثلاثين من حزيران/ يونيو 2018، لتنفيذ دقائق المادة الثالثة المكررة من قرار "أصول إجراء العمليات المصرفية والمالية مع العملاء" (القرار الأساسي رقم 11947 تاريخ 12 شباط 2015 وتعديلاته – انظر الملف المرفق أدناه).

ما الذي يعنيه ذلك؟

أتى القرار الوسيط ليحدد المهلة الزمنية لانتقال المصارف نحو تطبيق إجراءات خاصة تسهّل على الأشخاص المعوّقين إمكانية الحصول على الخدمات المصرفية باستقلالية، ومن ذلك كما جاء في القرار:

  • إجراءات توقيع العقد بين المصرف والشخص المعوّق،
  • تكييف العمليات المصرفيّة العادية (سحب، إيداع، تحويل...) بما يتلاءم والاحتياجات الإضافية للشخص المعوّق،
  • تمكين العملاء المعوّقين من القيام بالعمليات المصرفيّة بسهولة عن طريق تأمين الممرات والمنحدرات اللازمة لهم وتأمين عدد من أجهزة الصرّاف الآلي المؤهّلة تقنيًّا وفنيًّا كي تستعمل من قبلهم.

أما عن الإجراءات الخاصة بالأشخاص المكفوفين، فهي:

  • تزويد الشخص المكفوف بنسخة إلكترونية عن العقد الموقّع معه وعن أهم خصائص وشروط المنتج أو الخدمة وعن لائحة حقوق وواجبات العميل،
  • إعلام الشخص المكفوف عن كل عملية مصرفية يقوم بها بالوسائل المناسبة.

 

كيف نفهم القرار؟

لا يخفى أن القرار أعلاه يتضمن شقين:

الأول، تذليل عوائق البيئة المكانية التي تحول دون وصول الشخص المعوّق على المصرف أو جهاز الصرّاف الآلي، وهو مشمول بالحق بالبيئة الهندسية الدامجة وحق الوصول إلى الأماكن العامة – والمصارف ضمنًا – هو من المقدمات الضرورية التي تسبق الوصول إلى الخدمة، والتي نص عليها القانون 220/2000 الخاص بحقوق الأشخاص المعوّقين في لبنان، والتي كان يجب أن تتوفر في المصارف منذ العام 2006، وإن لم تتوفر فيعتبر المصرف مخالفًا لأدنى الحقوق المنصوص عليها.

الثاني، تذليل العوائق التي تحول دون استفادة العميل المعوّق من الخدمات المصرفية العادية والتفصيل في تكييف الخدمات المصرفية لتتلاءم واحتياجات الأشخاص المعوّقين، بالتوازي مع القوانين المرعية الإجراء متروك للمصرف المركزي، بالتشاور مع جمعيات الأشخاص المعوّقين الحقوقية، بما يضمن استقلاليته في الاستفادة من تلك الخدمات.  

 

ما العمل؟

لعل أبرز الملاحظات على القرار 12519، أنه لا يتضمن آلية موحّدة لتطبيقه من قبل المصارف العاملة على الأراضي اللبنانية، بل يترك لكل مصرف على حدة اختيار الآلية المناسبة للتطبيق شرط الوصول إلى النتيجة المنشودة منه.

1. فعلى صعيد الإفادة من الخدمات المصرفية العاديّة يضعنا ذلك أمام فوضى شبيهة إلى حدّ بما يحصل في ملف الدمج التربوي للأشخاص المعوّقين في المدارس الخاصة، حيث كل مدرسة تطبّق ما تراه دمجًا على طريقتها، وتدّعي أنها الأمثل، وبالتالي لا وجود فعليًّا للدمج. أي أن عدم تزويد مصرف لبنان المصارف خطة موحّدة (ذات جدول زمني مقسّم على 12 شهرًان من تاريخه على تاريخ التنفيذ) لتكييف المنتج، ثم للوصول على تمكين العملاء المعوّقين من الاستفادة من الخدمات المصرفية وفق الحد الأدنى من الاستقلالية بالتوازي مع تمكين الموظفين في المصارف وإداراتهم من التعامل مع احتياجات العملاء المعوقين.. سيوصلنا إلى عدم التطبيق.

والخطوة الأولى نحو تحقيق ذلك، ولعل أفضل التكييفات وأكثرها فعالية هي بناء قدرات الكادر البشري في المصارف بدءاً بالتالي: بناء قدرات موظف الاستقبال في الموقف وعلى المدخل حول كيفية مساندة الشخص المعوق بحسب نوع الإعاقة والمعينات التي يستخدمها، بناء قدرات موظفي قسم الخدمات المالية حول التكييفات التي يمكن أن يستخدمها الشخص المعوق وكيفية التحدث معه واستقباله، بناء قدرات موظفي قسم الخدمات غير المالية حول كيفية التعاطي، مساندة واقتراح التكييفات والبدائل على الشخص المعوق لإتمام المعاملات، بناء قدرات الاداريين حول صياغة سياسة المصرف (رؤية، قيم ورسالة) دامجة.

2. أما على صعيد البيئة المكانية وحقّ الوصول، فهل يستطيع البنك المركزي خلال مدّة سنة، أن يشرف على مسح ميداني شامل لأبنية المصارف في لبنان وفق المعايير الدنيا المنصوص للبيئة الهندسية الدامجة، وإن كان ذلك غير ضروري، هل يمكنه أن يطلب من كل مصرف أن يرتقي بالمعايير الدامجة إلى مستوى يمكّن الشخص المعوّق من الوصول إلى مباني المصارف وارتيادها واستخدام مرافقها باستقلالية؟ ربما الخطوة الأولى لتحقيق ذلك تكمن في أن يعلن كل مصرف عامل على الأراضي اللبنانية على موقعه الإلكتروني الرئيسي عن لائحة فروعه ومدى أهلية كل واحد منها لارتياد الأشخاص المعوقين (حركيًا، سمعيًا، بصريًا، ذهنيًّا) لها. وقد أبدت المنظمات الحقوقية، لاسيما اتحاد المقعدين اللبنانيين، حرصها على التعاون مع القطاع المصرفي في لبنان للوصول إلى هذه الغاية، ويمكن الإفادة من تجاربها السابقة في هذا المجال (انظر على سبيل المثال: المسح الميداني الشامل لمراكز الاقتراع في لبنان 2008-2009)

3. كذلك، من الملاحظات المهمّة على القرار أنه لا يتضمن آلية مراقبة ورصد حسن تطبيق المصارف لدقائقه!   

بناء عليه، إن مبادرة مصرف لبنان إلى التقدم نحو الدمج على صعيدي أبنية المصارف والخدمات المصرفية العادية، من الخطوات التي يجب أن تستكمل بما يضمن تمتع الشخص المعوّق باستقلاليته في حق الوصول إلى المكان والمعلومات، وحق الاستفادة من الخدمات على حدّ سواء مع العملاء غير المعوّقين. ولا يخفى أن في ذلك فائدة كبيرة للمصارف نفسها، حيث ستثبت أنّها تتمتع بالمواصفات العالمية من جهة، وستوسّع مروحة عملائها من جهة أخرى، حيث إن زبائنها المحتملين ستزيد نسبتهم بنحو 15 في المئة، هي نسبة الأشخاص المعوقين في لبنان وفق البنك الدولي. ألا يجدر بإدارات المصارف التفكير جديًّا بتطبيق القرار منذ اليوم.. وعدم انتظار سنة كاملة؟  

عماد الدين رائف - مرصد حقوق الأشخاص المعوقين