Article

الأشخاص المعوقون محرمون من الحق بالسكن

 

 

 

وصل الأمر بشخص مسن معوق حركياً إلى أن يحرق نفسه على كرسيه المتحرك، بعدما ضاقت به السبل. ووفق التحقيق الاجتماعي الذي قامت به الزميل نادين بكداش، توفيق خوام، رجل في السابعة والثمانين من عمره، أحرق نفسه مساء الجمعة الواقع فيه ١١ أيلول/ سبتمبر ٢٠١٥ تحت جسر البسطة التحتا وخلفه جدارية للعلم اللبناني كتب عليها «يبقى لبنان!»، ولم يبق شيء من توفيق. قبل ساعات قليلة من الحادثة وزّع توفيق ما كان قد جمعه من «أهل الخير»، كما يسمّونهم الجيران، لأولاد الحارة ومن بينهم ولد طلب منه أن يشتري له قنينة بنزين.

توفيق حرفيّ، فهو منجّد كان لديه محل في وسط البلد. بعدما خسر عمله، خسر بيته أيضاً في الباشورة حينما تم إخلاؤه من خلال التعويض وهدم المبنى. تنقل بين بيوت أولاد إخوته وعاش من التعويض. منذ أربع سنين خسر توفيق رجله بحادث سيارة. يقال إن جبالة باطون اصطدمت به، وهشمت رجله. تم تعويضه بمبلغ من المال من قبل شركة التأمين. عاش من التعويض. منذ سنة يسكن توفيق على رصيف العلم اللبناني. فلافل خليفة والدكاكين المجاورة تؤمن له الطعام والماء. منذ أسبوع تم إدخاله إلى المستشفى الحكومي من قبل الجيران. في اليوم التالي، أتت به سيارة الصليب الأحمر لتضعه مع كرسيه المتحرك مجددا تحت الجسر المذكور.

واستنكاراً لاستهتار السلطة المزمن بحقوق الأشخاص المعوقين والمسنين والمشردين، الذي أدى إلى أن يحرق توفيق نفسه، ولإطلاق صرخة ضد التهميش التاريخي الذي يسلب الأشخاص المعوقين حقهم في التأمين الصحي والاجتماعي وحق السكن في بيئة تحترم حق السكن في بيئة تحترم حقوقهم كبشر، ولتوجيه أصابع الإتهام الى السلطة التي أجبرت توفيق على إحراق نفسه، ولم تحرك ساكناً أمام مطالب الحراك الشعبي العام المطلبي المستمر، نفذ  «اتحاد المقعدين اللبنانيين» اعتصاماً استنكارياً في المكان نفسه الذي وقعت فيه الجريمة، مساء السبت الواقع فيه 19 أيلول/ سبتمبر 2015، وذلك بمشاركة كبيرة من جمعيات ومنظمات وحملات مدنية. وأطلق المشاركون من المكان "شعلة توفيق" التي أرادوها شعلة رمزية توصلهم إلى حقوقهم المشروعة.

 

 

مشردون

 

يواجه الأشخاص المعوقون خطر التخلي عنهم من قبل الأهل حيناً أو المؤسسات حينا آخر، كما يواجهون تطبيقات مرتجلة لقانون الإيجارات الجديد، ويجدون أنفسهم في الشارع تحت وطأة الزيادات المختلفة حيناً، أو عدم تجديد العقود حيناً آخر، على الرغم من حقهم بالسكن المنصوص عليه في القانون 220/2000، القسم السادس. وبالتالي يغدو عدد من الأشخاص المعوقين مشردين. ذلك فيما أعطى القانون للأشخاص المعوقين الشعور بالقوة عندما شرعن مطالبهم فتحوّل الشخص المعوّق من متلقي خدمات إلى صاحب حقوق، وبالتالي إلى مواطن يقف على قدم المساواة مع سائر أفراد المجتمع.  وكان من المفترض أن يتبع صدور القانون مجموعة من الخطوات التي تسمح بتنفيذه. وأهمها اعتماد خطة وطنية لتطبيقه. وهذا ما أعلن عنه وزير العمل والشؤون الاجتماعية السابق ميشال موسى في مؤتمر صحافي في العام 1999، عندما أكّد أن القانون جزء لا يتجزأ من الخطة الوطنية الشاملة المعروفة بمشروع تأمين حقوق الأشخاص المعوقين.[i]  وهذا ما كان  أيضاً محور "مؤتمر الشراكة لتطبيق حقوق الأشخاص المعوقين"، الذي نظمه "اتحاد المقعدين اللبنانيين"، و"اتحاد جمعيات المكفوفين في لبنان"، في العام 1999، من أجل البحث في آليات تنفيذ القانون. وبعد مرور 15 عاماً، بقيت معظم بنود القانون من دون تنفيذ، ما أدّى إلى حرمان شريحة واسعة من  المواطنين من حقوقهم (كما يظهر من الملحق الأول). فبالرغم من غياب الإحصائيات الرسمية عن عدد ومواصفات الأشخاص المعوقين المقيمين في لبنان، يُقدّر عددهم بما يقارب 400 ألف مواطن.

 

 

حبر على ورق

 

يضمن القانون 220/2000 في القسم السادس منه، تحت عنوان "في حق الشخص المعوق بالسكن، المادة 55، تخصيص مساكن للأشخاص المعوقين في المشاريع السكنية العامة والتجمعات الخاصة. على أن "تخصص مساكن مؤهلة في أي مشروع مساكن شعبية أو تجمعات سكنية تقوم به الدولة أو أي جهة عامة وفقاً لمعايير الحد الأدنى للأبنية والمنشآت إضافة إلى المعايير المفروضة على المداخل والمواقف وغيرها من الفسحات العامة ، وذلك لصالح الأشخاص المعوقين المحدودي الحركة (مثلاً: الذين يستعملون كراسي نقالة)، بنسبة لا تقل عن خمسة بالمئة (5%) من المساكن الإجمالي". كما أنه "على التجمعات السكنية الدائمة أو الموسمية الخاصة أن تتضمن مساكن مؤهلة وفقاً لمعايير الحد الأدنى للأبنية والمنشآت إضافة إلى المعايير المفروضة على المداخل والمواقف وغيرها من الفسحات العامة، بشكل تكون صالحة لإستعمال الأشخاص المعوقين بنسبة أثنين بالمئة (2%) من عدد المساكن الإجمالي". وتضمن المادة 56 منه حظر "بيع أو تأجير تلك المساكن المحددة بوضوح لغير حملة بطاقة المعوق الشخصية، أو أحد أولادهم أو والديهم أو زوجهم أو ولي أمرهم الشرعي، تحت طائلة إلغاء عقد البيع أو الأيجار، وتغريم البائع والشاري بمبالغ تقدرها المحاكم المختصة". في المقابل تفرض المادة 58 منه "تسهيل الاجراءات وشروط القرض المعطى لحامل بطاقة المعوق الشخصية، بقدر المستطاع، وذلك من أجل مساعدته على تملّك مسكن"، على أن "تحدد هذه الإجراءات بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناءً على لإقتراح وزير الإسكان والتعاونيات بعد استشارة وزارة الشؤون الاجتماعية".

لكن من المؤسف أن شيئاً من ذلك لم يجد طريقه إلى التطبيق على الأرض، ما جعل الأشخاص المعوقين عرضة لطردهم من قبل المالكين من جهة، وعدم تمكنهم من الحصول على القروض اللازمة لشراء سكن لائق بهم يحترم حاجاتهم وفق المعايير الهندسية الدامجة بحدودها الدنيا.

 

[i]  النهار، 10/8/1999

Tags: