Article

كيف نتعامل مع الأشخاص المعوقين إعلامياً؟

خلال إطلاق تقرير "الإعاقة والوصول إلى المعلومات" - تصوير :محمد العاصي

حورية ف. (22 عاماً)، فتاة من بلدة عرسال البقاعية بدأت حياتها ولديها إعاقة حركية في يدها ورجلها اليسريين.

عندما باتت في سن الدراسة، واجهت مشاكل كثيرة  مع مدرسيها وزملائها في الصف. تلك المشاكل ناتجة عن نظرة موروثة لدى المجتمع تجاه الأشخاص المعوقين وقدراتهم، لكن حورية ثابرت وواجهت كل يوم في مرحلة التعليم الأساسي لتتخطى المرحلة المتوسطة ونجحت بامتياز. اختارت حورية مهنة التمريض، فاعترضتها في التعليم المهني والتقني مشاكل أخرى لدى الدخول والتسجيل.

وبعد محاولات كثيرة تمكنت من الدخول إلى "معهد عرسال الفني والتقني"، حيث ازدادت مشاكلها. فالأساتذة رفضوا رفضاً قاطعاً تعليم فتاة معوقة مع باقي المتعلمين غير المعوقين، فتحدتهم وأثبتت جدارتها. أما زملاؤها وزميلاتها فتعاملوا معها بطريقة غير لائقة، وأسمعوها كلاماً قاسياً، معبرين عن خجلهم بأن تكون زميلتهم معوقة، بالإضافة إلى أنهم كانوا يرفضون مساعدتها إن احتاجت ذلك. لكن على الرغم من كل المصاعب، تمكنت حورية من إنهاء مراحل تعليمها المهني بنجاح وتميز.

اليوم، لم يبق أمام الفتاة سوى مرحلة واحدة لتحصل على الإجازة الفنية في العناية التمريضية، لكنها لا تستطيع أن تصل إلى ذلك في عرسال التي تفتقر إلى المستشفيات التطبيقية. وليس لديها القدرة على دفع تكاليف النقل والإقامة في مكان آخر، وإن تأمن المبلغ، فهذه المرحلة التطبيقية تتطلب تجاوباً من الأساتذة والزملاء، وذلك ما لم يتوفر لدى حورية في أي من مراحل تعليمها السابقة. فهل ستستطيع حورية أن تحصل على تلك الإجازة التي كانت حلم حياتها؟

كثيرات كحورية، يحاولن الوصول إلى أهداف محددة في الحياة، إلا أنهن يواجهن تمييزاً مزدوجاً من المجتمع. تمييز لكونهن أناثاً وتمييز آخر لكونهن معوقات.

فالنظرة المجتمعية السائدة تجاه الأشخاص المعوقين بشكل عام لا تزال رهينة النموذج الطبي – الخيري، الذي يحصر الإعاقة في الشخص، ولم تصل بعد إلى النموذج الحقوقي – الاجتماعي، الذي يجعل الإعاقة في المجتمع الذي لا يستثمر طاقات الشخص، وذلك أحد أهداف الاتفاقية الدولية بشأن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.

 

طريقتا تفكير

 

هناك وجهة نظر تقليدية، يُطلق عليها غالباً "النموذج الطبي - الخيري للإعاقة"، تصوّر مشكلة الفرد كمأساة شخصية. وهي الطريقة التي ينظر بها العديد من الأشخاص في مجتمعاتنا. ويُتوقع للأشخاص ذوي الإعاقة رؤية حاجاتهم الإضافية على أنها شيء لا بد عليهم من التعايش معه بأفضل ما يمكن، وقبول حقيقة أن هناك العديد من الأمور التي ليس بمقدورهم القيام بها.

ويتميز هذا النموذج بالإقصاء والتعبية ضمن مؤسسات طبية أو مؤسسات إيواء تعزل الأشخاص المعوقين عن محيطهم. ويعزز النظرة الموروثة كالشفقة والخوف. ويصور الشخص المعوق على أنه يحتاج إلى "العلاج أو الرعاية"، مع افتراض ضمني أنه "ليس طبيعياً"، وأن تكون "غير طبيعي"، يعني أنك شخص "غير مرغوب فيه". وضمنه لا يزال الأشخاص المعوقون مهمشين لا ينالون حقوقهم الأساسية.

أما الطريقة الحقوقية، فهي عبر النموذج الاجتماعي، حيث لا تعتبر بيولوجية الشخص، أي الحاجات، هي ما يتسبب "بالإعاقة"، وإنما هي طبيعة المجتمع. فالإعاقة نتيجة قيود فرضتها حواجز اجتماعية وثقافية واقتصادية وبيئية. والأشخاص الذين حاجات، هم معوقون بفعل المجتمع وبفعل الحواجز السلوكية، مثل المواقف المسبقة التي تعرضت لها حورية، وبفعل الحواجز المؤسساتية التي فرضتها القوانين والسياسات، وبفعل الحواجز الاقتصادية التي عملت على إقصائها والإجحاف بالتعامل معها، وبفعل الحواجز البيئية التي منعت إمكانية وصولها المادي وتزويدها بالمعلومات والتواصل...

 

كيفية التعبير والتعامل؟

 

إعلامياً، في الغالب تؤخذ قصة حورية كقصة فتاة بطلة تحدت المجتمع ذي النظرة النمطية السلبية (صورة المعوق البطل)، أو يمكن أن نركز على مشكلتها الأخيرة مع وصولها إلى حائط مسدود (صورة إثارة الشفقة)، ويمكن لبعض البرامج في بعض المناسبات والأعياد أن تزيد في ذلك فتفتح حسابات للتبرعات (صورة إعلام المناسبات).. أو يمكن تجاهل القصة كلياً.

إلا أن للإعلام دور محوري في تعزيز النموذج الاجتماعي للحؤول دون استمرار تكريس النموذج الطبي – الخيري. وأولى الخطوات تكون عبر تعميم المصطلحات الصحيحة بشأن قضايا الإعاقة. وقبل التعميم لا بد لنا كصحافيين وإعلاميين من استخدام تلك المصطلحات بشكل صحيح لا يهين الأشخاص المعوقين.

وقد عمل الأشخاص المعوقون في لبنان طويلاً على المطالبة بحقوقهم الفردية والجماعية، وسعوا لتغيير ظروفهم عن طريق تغيير الطريقة التي يوصفون بها إلى حد ما.

 ومن ذلك: (انظر الجدول المرفق)

  1. إن تعبير "معوّق" هو وصف وليس فرداً. وعليه، يجب استخدام "شخص معوق"، أو "شخص ذو إعاقة" وليس  "معوق" أو "ذو حاجات خاصة"، كمصطلح.
  2. تجنب نهائيا استخدام تعابير "مكرسح"، "كسيح"، "عطيلة"، "أعمى"، "ضرير"، "أطرش"، "منغولي"، "ع البركة"... فإنها تعابير مهينة جداً للأشخاص المعوقين، بالإضافة إلى أن مصطلح "مُعاق" شُحن سلبياً وبات يُستخدم كإهانة.
  3. تجنب استخدام تعابير "الله يشفيك"،"يا حرام"،...
  4. تجنب استخدام مصطلحات الإعاقة للتعبير عن نقص ما في الأمور الاقتصادية أو السياسية فلا يقال "شلل تام على الطريق"، "السوق مشلولة"، أو "حكومة بتراء"، كما تفعل بعض وسائل الإعلام... كما ينبغي تجنب استخدام العبارات الشائعة المهينة "حوار طرشان"، "مثل الأطرش بالزفة"، "الأعور بين العميان ملك"، وغيرها من التعابير.
  5. تجنب استخدام المصطلحات الطبية التي لا تكترث للأشخاص بصفتهم أفراداً، وإنما تميل إلى توكيد الصور النمطية على أنهم "مرضى" أو "لا يتمتعون بصحة جيدة".
  6. تجنب عبارات مثل "يعاني من إعاقة" وكل ما يثير الاستياء أو الشفقة ويشير إلى وجود ألم مستمر وإحساس باليأس.
  7. تجنب استخدام صور تنقل تعابير المعاناة أو الغضب أو الانعزال أو السلبية المرتبطة بالحاجات الخاصة أو الإضافية.
  8. لا يعتبر مستخدمو الكراسي المتحركة أنفسهم "مقيدين" إلى الكرسي. بدلاً عن ذلك، ينبغي النظر إليه على أنه وسيلة لسهولة التنقل.
  9. يشعر معظم الأشخاص ذوي الإعاقة بالراحة عند استخدام كلمات تصف حياتهم اليومية، مثلاً يمكن القول "الشاب يللي ع الكرسي المتحرك راح يتمشى"، ويشعر الشخص المكفوف بالسعادة "لما يشوفك". فالإعاقة هنا تشير إلى وجود أشياء تنفذ بطريقة مختلفة فقط.
  10. تجنب كلمات وصور الضحايا السلبية، بل استخدم لغة تحترم الأشخاص ذوي الإعاقة على أنهم أفراد فاعلين لديهم القدرة على السيطرة على حياتهم الخاصة.
  11. لن تكون هناك حاجة في معظم الوقت للإشارة إلى مواصفات محددة للإعاقة لدى الشخص، وحين يلزم مثل تلك الإشارة، يجب تجنب إبرازها بتفصيل دقيق أو الدلالة إلى المعاناة بشكل تلقائي على أنها نتيجةً محتمة للحاجات الإضافية.
  12. إن أي محاولة لإثارة مشاعر الشفقة لدى القراء أو المستمعين أو المشاهدين ربطاً بالإعاقة، لا يعني إطلاقاً تعزيز السعي لدمج الأشخاص ذوي الإعاقة، بل على العكس من ذلك.
  13. ينبغي علينا الامتناع عن عمل أي محتوى أو برامج تعتمد فقط على الإعاقة لدى الأشخاص، بل يجب عليهم تقديم الأشخاص من ذوي الإعاقة بصفتهم مُشاركين فاعلين في العائلة والحياة العامة والسياسية، مع التركيز على المزايا وإيضاح أن القضاء على المعوقات وتلبية احتياجات الأشخاص من شأنه خدمة مصالح المجتمع بأكمله.

عماد الدين رائف

Tags: