Article

الأشخاص المعوقون في بيئة لا تحترم حاجاتهم

البيئة الهندسية العازلة تحول دون تمتع الأشخاص المعوقين بحق الوصول

يبعد منزل زينة عن مكتبها مئات الأمتار، لكن طريقها إليه مليئة بالمصاعب، فالأرصفة ووسائل النقل غير مجهزة. زينة فتاة مكفوفة، تسكن في منطقة طريق الجديدة، استطاعت الحصول على عمل في اختصاصها، ولكن بقي عليها تأمين إمكانية الوصول إليه. حفظت زينة الطريق. "لكن في بلد مثل لبنان لا تنفع الذاكرة"، كما تقول للزميلة روان الأمين[i]. فكل يوم تصطدم زينة بشيء جديد. من الممكن أن تفاجأ بمتسول يفترش الطريق "يريد أن يسترزق"، أو بحفر وخسفات جديدة، من دون أن تجد زينة ما ينبهها إليها. ومن الممكن أن تصطدم بأشياء تركت موقتاً، كحاوية نفايات في غير مكانها، أو مولد كهرباء أخرجه صاحب محل إلى الرصيف، أو بسيارة أو دراجة نارية مركونة.

تضيف زينة: "الأوضاع الأمنية المستجدة زادت المعيقات"، فكادت أن تقع غير مرة، بسبب الجنازير التي لا تعلم بوجودها، فحتى مع العصا البيضاء لا يمكنها تفاديها، لأنها مرتفعة عن الأرض. والسير على الطرق أخطر، فسائقو السيارات لا يكترثون، والمطبات والحفر لا تنتهي. تقول زينة: "السير باستقلالية صعب، وأن أجد من يرافقني فهو أصعب". تتعامل زينة مع سائق تاكسي، تتكلف الكثير. تدفع له شهرياً، يوصلها إلى عملها ويعيدها إلى المنزل.

 

النصوص والواقع

على الرغم من أن الاتفاقية الدولية حول حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، والقانون 220/2000 الخاص بحقوق الأشخاص المعوقين في لبنان، يلزمان المؤسسات العامة والخاصة القيام بالتجهيز الهندسي اللازم بما يضمن استقلالية حركة ووصول الأشخاص المعوقين، إلا أن الوزارات المعنية لم تقم بالإجراءات المطلوبة لذلك ولمّا تصدر المراسيم التطبيقية بعد. وقد أظهرت دراسات مدنية إمكانية التجهيز بكلفة متدنية[ii]؛ ومسوحات مدنية ندرة التجهيز الهندسي للأماكن ذات الاستعمال العام[iii]، ذلك بعدما ضيعت الدولة فرصتها في تجهيز ما دمرته حرب تموز 2006 بشكل دامج يحترم حقوق الإنسان.

ويعود ذلك إلى تضارب صلاحيات الوزارات والإدارات الرسمية المعنية بالتجهيز الهندسي، ما يعيق أي حركة جدية إلى تطبيق القانون. وكذلك إلى غياب أبواب التجهيز الهندسي عن الموازنة العامة للمباني والأماكن العامة والخاصة ذات الاستخدام العام، ما يحرم الإدارات المحلية في المناطق من السيولة اللازمة للتجهيز، ويبقيه محصوراً في مبادرات فردية أو مدنية. وقد ضمنت حركة الإعاقة وصف واقع التجهيز الهندسي والمطلوب لتعديله في تقريرها الذي رفعته ضمن التقديم الدوري الشامل للعام 2015، والذي يفترض أن يناقش في الأمم المتحدة في تشرين الثاني المقبل.

 

 

مبادرات مدنية

 

إزاء محدودية أعمال الدولة، باشرت حركة الإعاقة، و"اتحاد المقعدين اللبنانيين" من ضمنها، العمل مع البلديات. ولهذه الغاية، عمدت الجمعيات إلى تنظيم عدد من الطاولات المستديرة، وورش العمل مع بلديات في مناطق مختلفة في لبنان، وذلك لتوعيتها حول قضايا الإعاقة وللتداول بشأن إلتزاماتها بناء على القانون 220/2000.[iv] كما أجرى الاتحاد مسحاً حول التزام البلديات بعدد من بنود القانون كالأرصفة المؤهلة، والمواقف العامة والخاصة. وقد أتت نتيجة المسح سلبية. إذ تبين عدم علم العديد من البلديات بوجود القانون أو عدم تنفيذها لالتزاماتها.[v]

وتزامناً مع تقديم مطالب عامة، اتجهت الحركة المطلبية في اتجاه تقديم مطالب محددة ومحصورة بحقوق معينة. ففي العامين 2001 و2002، تقدم "اتحاد المقعدين اللبنانيين"، بمذكرة مطلبية إلى وزارتي الشؤون الاجتماعية والتربية الوطنية.[vi] وفي إطار الحملة الوطنية نحو بيئة مبنية دامجة - "عمّر للكل"، تواصل "اتحاد المقعدين اللبنانيين" مع الوزارات المعنية في عملية إعادة الإعمار (ومنها وزارة المالية)، ومع "مجلس الإنماء والإعمار"، من أجل إدراج المعايير الهندسية الدامجة في عملية إعادة الإعمار بعد حرب تموز 2006.[vii]

كما حاولت جمعيات الإعاقة الاستفادة من عمليات إصلاحية محدودة من أجل إقرار بعض النصوص التطبيقية. فأضيف إلى قانون البناء بند يفرض التقيد بالقانون 220\2000 ومراسيمه التطبيقية. وأضيفت مادة وحيدة على مرسوم تحديد معايير ومقاييس أبنية المدارس الرسمية تؤكد أنه "يجب أن تتضمن المدارس جميع التسهيلات الضرورية لاستقبال الأشخاص المعوقين محدودي الحركة،"[viii] ما أدّى إلى تأهيل العديد من المدارس[ix] وإلى مراعاة حاجات الأشخاص المعوقين في تجهيز المدارس الرسمية التي تم تشييدها بعد إصدار القانون.[x] وقد وصل عددها إلى 102 مدرسة. وقام "اتحاد المقعدين اللبنانيين" بمطالبة لجنة الأشغال العامة والنقل النيابية بإدراج البيئة المؤهلة ضمن عمل اللجنة لدراسة التعديلات لتحديث قوانين السير.[xi] وفي العام 2003، قام بمطالبة وزارة الطاقة والمياه بإعادة النظر في مشروع قانون يحدد شروط إنشاء محطات المحروقات لملاءمة المعايير الدامجة.[xii]

إن الحق في بيئة دامجة من أول الحقوق المكرسة في القانون 220/2000 لكونه حقاً أساسياً وضرورياً يتيح  للأشخاص المعوّقين الوصول إلى الحقوق الأخرى كالحق في التعليم والعمل والصحة والتنقل. وفي هذا المجال، بدأ التعاون بين "اتحاد المقعدين اللبنانيين" ونقابة المهندسين في بيروت، منذ العام 1999. وقد هدف إلى ضمان تنسيق مستمر للبحث عن كيفية إنجاز آليات تطبيق المعايير الهندسية المنصوص عليها في القانون.[xiii] وبخلاف ما تقدم، فقد تأسس هذا التعاون مباشرة على إرادة تنفيذ القانون من دون أي لبس، وقد ترسخ بشكل رسمي في العام 2009 عند توقيع الطرفين على بروتوكول تعاون. ومن أبرز المحاور التي تضمنها هذا البروتوكول: 

  • وضع إستراتيجية مشتركة تحت عنوان "نحو بيئة دامجة"، وتشكيل لجنة خاصة تهتم بوضع النصوص لتأمين الشروط الهندسية التي تعنى بالأشخاص المعوقين، وملاحقة إصدارها رسمياً ووضع آلية عمل لنشر ثقافة الدمج وتعميمها، والعمل لوضع نموذج رائد تشكل العاصمة ميدان عمله تحت شعار "بيروت عاصمة دامجة".
  • تنمية قدرات الفاعلين والعاملين في إطار تلك البيئة، وإقامة ورش عمل تدريبية للمهندسين العاملين في قطاع البناء.
  •  زيادة الوعي العام حول فوائد البيئة الدامجة وآثارها الإيجابية، وإصدار منشورات حول البيئة الدامجة، ومرجع فني حول المواصفات الهندسية الدولية. [xiv]

ومن أبرز إنجازات ذلك التعاون، إعداد مشروع مرسوم معايير البناء،[xv] الذي أقرّه "المجلس الأعلى للتنظيم المدني" في بداية العام 2011 ومن ثم مجلس الوزراء بعد سنة.

كما يسجل أن "اتحاد المقعدين اللبنانيين" قام بإصدار "دليل حول المعايير الهندسية"،[xvi] في العام 2007، ودليل حول "بناء مخيم نهر البارد دامجاً"[xvii] في العام 2009، و"دليل البيئة المبنية الدامجة"[xviii] (بالشراكة مع "برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية") في العام 2010. وهي أدوات موجهة للمهندسين جاءت للتعويض عن التأخير في إصدار معايير الحد الأدنى للابنية والمنشآت، وتسمح بتأمين بيئة هندسية خالية من العوائق.

عماد الدين رائف

 

[i] . مجلة واو، العدد 29-30، ربيع 2015. ص8 "تنقل الأشخاص المعوقين: هواجس وعوائق"

[ii] . التقدم نحو بيئة دامجة – مقاربة تعتمد على الهندسة المعمارية والموازنة (بيروت: مشروع موازنة لبنان – اتحاد المقعدين اللبنانيين، ومؤسسة البحوث والاستشارات؛ ط1: 2008).

[iii] . "إعادة الإعمار والبيئة الدامجة" – مسح ميداني حول تطبيق المواصفات والمعايير الهندسية الخاصة بالأشخاص المعوقين في عملية إعادة الإعمار، (بيروت: الوحدة الإعلامية في اتحاد المقعدين اللبنانيين؛ ط1: 2008).

[iv]  راجع مثلا: السفير، 10/7/2003، مجلة واو، العدد الثالث والعشرون، ص 23.

[v]  مجلة واو، العدد الرابع، حزيران 2004، ص 6

[vi]  مجلة واو، العدد الأول، حزيران 2003، ص 14-15

[vii]  مجلة واو، العدد الثاني عشر، اذار 2007، ص 11 و34؛ مجلة واو، العدد الثامن عشر، تموز 2009، ص 26؛ مجلة واو العدد الثاني والعشرون، أيار 2011، ص 16

[viii]  المادة 8 من المرسوم رقم 9091 الصادر في 15/11/2002 تحديد معايير ومقاييس ابنية المدارس الرسمية في التعليم العام ما قبل الجامعي: يجب ان تتضمن المدارس جميع التسهيلات الضرورية لاستقبال الاشخاص المعوقين المحدودي الحركة

[ix]  كلمات  وزير العمل ووزير التربية وممثل وزير الصحة خلال مؤتمر تحالف الاشخاص المعوقين لمناسبة اليوم العالمي للاعاقة تحت عنوان "الدمج حقنا"، 3 كانون الاول 2011. راجع: مجلة واو، العدد الرابع والعشرون، كانون الأول 2011، ص 14-22؛ ابو فاعور: نظام الرعاية المعمول به متخلف ويجب تحديثه، ليبانون فايلز، 3-12-2012، متوفر على العنوان التالي: http://www.lebanonfiles.com/news/309586

[x]  كلمة رئيس الوزراء السابق فؤاد السنيورة خلال الندوة الوطنية حول "آلية تنفيذ القانون 220/2000"، 2006.

[xi]  جريدة السفير، 5/8/2002

[xii]  جريدة السفير، 10/4/2003

[xiii]  مذكرة مطلبية مقدمة من اتحاد المقعدين اللبنانيين الى نقيب المهندسين في العام 2002 (مجلة واو، العدد الثالث، اذار 2004، ص 21)؛ اجتماعات دورية بين اتحاد المقعدين اللبنانيين ونقابة المهندسين بين 2007 و2009 (مجلة واو، العدد الثاني عشر، اذار 2007، ص 38؛ مجلة واو، العدد الثالث عشر، آب 2007، ص 27)

[xiv]  مجلة واو، العدد التاسع عشر، تشرين الثاني 2009، ص 26

[xv]  مجلة واو، العدد الثاني والعشرون، ايار 2011، ص 9

[xvi]  مجلة واو، العدد الثاني عشر، اذار 2007، ص 40

[xvii] Lebanese Physically Handicapped Union, Nahr El Bared Refugee Camp, Inclusive Accessible Design, Standards Guide to Architects, 2009

[xviii]  مجلة واو، العدد العشرون ، أيار 2010، ص 18 و27